أبي حيان التوحيدي
224
المقابسات
ثم قال : وكان شيخنا يحيى بن عدي « 1 » يقول : إني لأعجب كثيرا من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس : نحن المتكلمون ، ونحن أرباب الكلام ، والكلام لنا ، بنا كثر وانتشر وصح وظهر ! كأنّ سائر الناس لا يتكلمون أو ليسوا أهل الكلام ؟ لعلهم عند المتكلمين خرس أو سكوت ! أما يتكلم يا قوم الفقيه ، والنحوي ، والطبيب ، والمهندس ، والمنطقىّ ، والمنجم ، والطبيعي ، والإلهي ، والحديثى ، والصوفي ؟ قال : وكان يلهج بهذا ، وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولا وجعلوا ما يدّعونه محمولا عليها ومتناولا من عرضها ، وان كانت المغالطات تجرى عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرة وبغير قصدهم أخرى قال : وكان يصل هذا كثيرا بقوله : والدليل على أن النحو ، والشعر ، واللغة ليس بعلم ، أنك لو لقيت في البادية شيخا بدويّا قحا محرما ، لم ير حضريا ولا جاور أعجميا ، ولم يفارق رعيه الإبل وانبثاث المناهل وهو مع قبح هيئته التي لا يشق غباره فيها أحد منا وان كلف ، فقلت له : هل عندك علم ؟ لقال : لا . هذا ، وهو يسير المثل ، ويقرض الشعر ، ويسجّع السّجع البديع ، ويأتي بما إذا سمعه واحد من الحاضرة وعاه ، واتخذه أدبا ورواه ، وجعله حجة . وكان يقول : هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة وما انتثر منها على فائت الزمان ، لأن القياس المقصود في هذه المواضع والدليل المدعى في هذه الأبواب معها ظل يسير من البرهان المنطقي والرمز الإلهي والإقناع الفلسفي ! وقد بين هذا الباب أرسطوطاليس في الكتاب الخامس ، وهو الجدل ، كل ما في الامكان من التعليق به والاحتجاج منه ، مع التمويه والمغالطة ، بل كثير من المتكلمين لا يصلون إلى غايات ما كشفه ورسمه وحذر منه وأبان عنه ، وإن أنضوا مطيهم ، وأبلوا جهدهم ، سوى ما أتى عليه قبل هذا الكتاب وبعده مما هو شفاء الصدور وقرة الأعين وبصيرة الألباب ؟ والكلام في هذا طويل
--> ( 1 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 144